المناوي

81

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

وكان بالحقائق لهجا ، وعن الأباطيل منعرجا ، وقد قيل : التّصوف دفع دواعي الرّدى ممّا يرقب من نفع الصدا . وكفاه شرفا قول أصدق قائل : « هذا عمر ، هذا رجل لا يحب الباطل » « 1 » . وهكذا سبيل الأبرياء من الشّرك والعناد ، الأصفياء بالمعرفة والوداد . ردّت عليه امرأة ، وهو في خطبته على ملأ ، ونبّهته على الحقّ ، فقال : أصابت امرأة وأخطأ رجل . وقال : إذا رأيتم العالم يحبّ الدّنيا فاتّهموه على دينكم ، فإنّ كلّ محبّ يخوض فيما أحبّ . وقال : ما أصابني اللّه بمصيبة إلّا رأيت أنّ للّه تعالى عليّ فيها ثلاث نعم ، الواحدة : حيث لم تكن في ديني ، الثانية : حيث لم تكن أكبر منها . الثالثة : ما وعد اللّه من الثّواب عليها . وكتب إلى أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه : أمّا بعد ، فإنّ الخير كلّه في الرّضا ، فإن استطعت أن ترضى وإلّا فاصبر . وكان يقسم بالذّلّة لمولاه ليفوز بالقوّة والتّعزز ، ويترك في إقامة طاعته الرّفاهية والتّلذّذ ، وقد قيل : التّصوف : النبوّ عن رتب الدّنيا ، والسّموّ إلى المرتبة العليا . وكان إذا استعمل عاملا شرط عليه ألّا يركب برذونا ، ولا يأكل نقيا ، ولا يلبس رقيقا ، ولا يغلق بابه عن ذوي الحاجة ، فإن فعل حلّت به العقوبة . وأرسل إليه قيصر ملك الرّوم رسولا ، فدخل المدينة فقال : أين الملك ؟ قالوا : ما لنا ملك بل أمير ، وقد خرج إلى ظاهر البلد . فأتاه فوجده نائما في الشّمس على الرّمل الحارّ قد جعل ذراعه « 2 » وسادة ، والعرق يتساقط من جبينه حتى بلّ الثّرى ، فقال : رجل فرقت جميع الملوك من هيبته ، وهذا حاله ، لكنّك عدلت فأمنت فنمت .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده 3 / 435 ، والحاكم في مستدركه 3 / 615 . ( 2 ) في ( أ ) : بردته .